
قلتله بابا، تعرف إن فؤاد المنشاوي رجع يظهر تاني؟
سكت لحظة، وبعدها قال كنت مستني اليوم اللي يظهر فيه. فيه موضوع قديم بيني وبينه، وكنت فاكر إنه انتهى من زمان.
سألته موضوع إيه؟
رد فؤاد كان شريك في شركة عقارية مع طارق، ولما حصل خلاف بينهم، انفصلوا. لكن قبل الانفصال، كان فيه مستندات مالية اختفت، وكان طارق بيتهمه إنه أخد أموال الشركة.
قلت بقلق يعني طارق وفؤاد بينهم خلاف قديم؟
قال أكتر من كده. الاتنين كانوا عارفين أسرار بعض.
في اليوم التالي، وصلني خطاب من مكتب فؤاد، بيطلب مقابلتي لمناقشة موضوع يتعلق بمستقبل شركتي.
رفضت أقابله لوحدي، واتفقنا يكون اللقاء في مكتب المستشار محمود.
دخل فؤاد وهو رجل في أواخر الستينات، ملامحه هادئة، لكن واضح إنه جاي بهدف محدد.
قال أستاذة غرام، أنا مش جاي أطلب منك فلوس ولا أضغط على شركتك. أنا جاي أصلح خطأ قديم.
سألته تقصد إيه؟
فتح حقيبته وطلع ملفًا قديمًا.
قال طارق استخدم اسمي في معاملات مالية من غير علمي، ولما اكتشفت الحقيقة، حاولت أواجهه، لكنه كان سبقني وأخفى مستندات مهمة.
محمود سأله وإيه علاقة ده بشركة غرام؟
رد فؤاد طارق كان عايز يسيطر على الشركة لأنها بقت مشروع ناجح، وكان محتاج الأرض والعقود القديمة علشان ينفذ خطته. لكنه كان عارف إن غرام عندها مستندات تحميها.
ثم أخرج ورقة إضافية وقال:
دي نسخة من مراسلات قديمة تثبت إن طارق كان بيخطط للموضوع من قبل ما الشركة تكمل خمس سنين.
اتصدمت.
يعني الخطة ما بدأتش من شهور، دي كانت فكرة قديمة ومستمرين في تنفيذها على مراحل!
طلب محمود فحص المستندات، وبعد المراجعة اتضح إنها تتضمن معلومات مهمة تستحق تقديمها للجهات المختصة.
لكن فؤاد قال جملة غيرت اتجاه الحديث:
فيه حاجة تانية. طارق مش لوحده. فيه شخص من داخل عيلتك كان بيساعده في الوصول للمعلومات.
سألته مين؟
قال مش هقدر أتهم حد من غير دليل، لكن عندي اسم، ومعايا مستندات تثبت إن الشخص ده كان بيبعت تقارير عن الشركة.
شعرت بالقلق.
هل هناك شخص آخر من عائلتي متورط؟
أخذ محمود الملف، وطلب التأكد من كل معلومة قبل اتخاذ أي إجراء.
وبعد ثلاثة أيام، ظهرت نتيجة مراجعة المراسلات.
كان الشخص المقصود هو ابن خالتي، ياسر، اللي كان بيشتغل في قسم المشتريات بالشركة.
طلبت مقابلته.
دخل مكتبي وهو متوتر، ولما شاف المستندات قدامه، قال أنا عارف إنك عرفتي.
سألته ليه يا ياسر؟ إنت كنت بتشتغل معانا من سنين، وعمري ما قصرت معاك.
رد بحزن طارق وعدني بمبلغ كبير، وقال إن الشركة هتتباع وإن محدش هيتضرر. أنا كنت محتاج الفلوس بسبب ديون تراكمت عليا، وافتكرت إني مش بعمل حاجة خطيرة.
قلتله إنت سربت معلومات تخص عشرات الموظفين ومصدر رزقهم، وده مش مجرد غلطة بسيطة.
نزل رأسه وقال أنا مستعد أعترف بكل حاجة.
قلت الاعتراف خطوة، لكن لازم تتحمل مسؤوليتك القانونية وتساعد في إصلاح الضرر.
وبالفعل، قدم ياسر إفادة رسمية، وسلم المستندات اللي كانت معاه.
وبكده اتجمعت أدلة جديدة ساعدت في كشف تفاصيل الخطة.
لكن المفاجأة الأخيرة كانت في ملف فؤاد.
فبين الأوراق وجد محمود مستندًا يثبت أن طارق كان قد حصل على تمويل من مجموعة استثمارية، بضمان صفقة السيطرة على شركتنا.
ولما فشلت الصفقة، بدأت المجموعة تطالب باسترداد أموالها.
يعني طارق أصبح أمام أزمة مالية كبيرة، وبدأ يحاول تحميل الآخرين مسؤولية قراراته.
وفي مساء اليوم نفسه، وصلني اتصال من رقم طارق.
رديت.
قال بصوت غاضب إنتِ فاكرة إنك انتصرتي يا غرام؟
قلت أنا مش في مواجهة معاك. أنا بس بحمي حقي.
رد أنا عندي مفاجأة ليكي. بكرة هتعرفي إن كل اللي عملتيه مش هيغير حاجة!
وقفل الخط.
بصيت للمستشار محمود وقلت هو لسه عنده إيه ممكن يعمله؟
رد بحزم مهما كان، هنواجهه بالقانون.
وفي صباح اليوم التالي، وصلنا إخطار رسمي جديد.
كان طارق قد تقدم بطلب لإشهار إفلاسه، وادعى أن شركتنا مسؤولة عن جزء من خسائره!
لكن محمود ابتسم وقال:
المرة دي هو اللي قدم لنا فرصة نثبت فيها كل الحقيقة.
يتبع…
الفصل العاشر والأخير رجوع الحق لأصحابه
بدأ المستشار محمود تجهيز الرد القانوني على ادعاءات طارق.
قدمنا عقود الشركة، وكشوف التحويلات، وتقارير المراجعة المستقلة، والمراسلات التي تثبت أن شركتنا لم تكن طرفًا في الاتفاقات المالية الخاصة به.
وبعد مراجعة المستندات، تبين أن طارق كان يحاول تحميل شركتنا ديونًا لا تخصها.
أما طلب الإفلاس، فكان شأنًا قانونيًا منفصلًا يخضع لفحص الجهات المختصة، ولم يكن سببًا لإسقاط حقوق المساهمين أو نقل ديون طارق إلينا.
وفي نفس الوقت، استمرت التحقيقات في وقائع التلاعب المالي وتسريب المعلومات.
شهاب قدم ما لديه من مستندات، لكنه لم يحصل على إعفاء من مسؤوليته عن القرارات التي شارك فيها.
وحسام وياسر خضعا للمساءلة عن دور كل منهما.
أما إلهام، فقد ساعدت في كشف المراسلات، وتم الاستماع إلى شهادتها ضمن التحقيقات.
مرت شهور طويلة.
وخلال الفترة دي، كنت مركزة على الشركة، وقررت أفتح قسمًا جديدًا لتدريب الخريجين في مجال التكنولوجيا.
أطلقت عليه اسم بداية، وخصصت جزءًا من أرباح الشركة لتدريب الشباب وتوفير فرص عمل حقيقية ليهم.
وفي يوم افتتاح القسم، وقف والدي جنبي وقال:
فخور بيكي يا غرام. مش علشان رجعتي حقك وبس، لكن علشان مقدرتيش تخلي الظلم يغير أخلاقك.
ابتسمت وقلت أنا اتعلمت منك إن الفلوس ممكن تتعوض، لكن الكرامة والثقة لما يضيعوا صعب يرجعوا.
وبعد فترة، صدر الحكم في الوقائع التي اكتملت أدلتها، وثبتت مسؤولية المتورطين كلٌّ حسب دوره، مع إلزام المسؤولين برد الأموال التي ثبت الاستحواذ عليها وفق الإجراءات القانونية.
أما طارق، فخسر نفوذه التجاري، وأصبحت معاملاته محل مراجعة ومساءلة.
وشهاب اضطر يواجه نتائج اختياراته، وانتهت علاقتنا الزوجية بشكل نهائي.
وفي آخر يوم ليا في المكتب القديم، فتحت الدرج اللي كنت محتفظة فيه بصور أول أيام الشركة.
لقيت صورة ليا وأنا واقفة جنب شهاب قدام أول مقر صغير بدأنا منه.
ابتسمت بحزن، واحتفظت بالصورة باعتبارها جزءًا من تاريخي، مش باعتبارها وعدًا بالرجوع للماضي.
قفلت الدرج، وخرجت.
بعد سنة، بقت الشركة أكبر، ونجح المشروع الجديد، واتعين عشرات الشباب، وبقى عندنا عملاء من خارج مصر.
وفي احتفال مرور عشر سنين على تأسيس الشركة، طلعت على المسرح وقلت:
أنا غرام، بدأت المشروع ده بتلاتة مليون جنيه وحلم كبير. اتعرضت للخداع، وخسرت زواج كنت فاكرة إنه هيكمل العمر كله، لكني ما خسرتش نفسي ولا حقي.
اتعلمت إن الشراكة مش مجرد توقيعات على ورق، وإن النجاح الحقيقي مش إنك تمتلك شركة كبيرة، لكن إنك تبني حاجة من غير ما تظلم حد.
والأهم، متخليش خوفك من خسارة اللي بنيته يخليك تسكت عن حقك.
صفق الحاضرون، وكان والدي أول واحد وقف يصفق.
وفي نهاية الحفل، وصلني خطاب من شهاب، كان مكتوب فيه:
غرام، أنا عارف إن اعتذاري مش هيغير اللي حصل، لكن أتمنى تسامحيني على الأقل علشان تقدري تكملي حياتك من غير وجع الماضي. أنا خسرت شريكة كانت تستحق مني الاحترام، وده أكبر درس اتعلمته متأخر.
قرأت الخطاب، واحتفظت به في الملف القديم، من غير ما أرد.
لأن مش كل اعتذار معناه رجوع، ومش كل نهاية معناها خسارة.
أما غرام، فاختارت تبدأ حياة جديدة، وتفضل صاحبة قرارها، وتحافظ على الشركة اللي بنتها بتعبها، وتثبت إن الحق ممكن يتأخر، لكنه مش لازم يضيع.
تمت القصة.
الجزء الثاني غرام والمفاجأة التي غيرت حياتها من جديد
بعد مرور سنة على انتهاء أزمة الشركة، كانت غرام أخيرًا بدأت تعيش حياة مستقرة. الشركة توسعت، وافتتحت فرعًا جديدًا في الإسكندرية، وبقى اسمها معروفًا في مجال التكنولوجيا.
لكن في صباح يوم هادي، دخلت عليها السكرتيرة وقالت:
مدام غرام، فيه راجل كبير في السن واقف بره، وبيقول إنه لازم يقابلك شخصيًا. اسمه عماد الشناوي.
رفعت غرام عينيها من الأوراق.
عماد الشناوي؟ أنا أعرف الاسم ده؟
بيقول إنه كان صديق والد حضرتك من زمان، وإن معاه حاجة تخص بداية الشركة.
وافقت غرام على دخوله.
دخل رجل في أوائل السبعينات، شايل حقيبة جلد قديمة، وملامحه باين عليها التعب.
قال صباح الخير يا بنتي. أنا عارف إنك مشغولة، لكن الموضوع ده مستني عشر سنين علشان يظهر.
ردت غرام اتفضل، أنا سامعاك.
فتح حقيبته وطلع ظرفًا أصفر قديمًا.
أبوكي طلب مني أحتفظ بالظرف ده، وقال لي أسلمهولك لما الشركة تقف على رجليها وتبقي قادرة تديريها بنفسك.
غرام استغربت.
بابا كان عارف إنك محتفظ بالظرف ده؟
أيوه، وهو بنفسه كتب عليه اسمك.
فتحت الظرف، ووجدت بداخله خطابًا بخط والدها.
كان مكتوبًا فيه:
بنتي غرام، لو وصل لك الخطاب ده، يبقى إنتِ قدرتي تحافظي على حلمك رغم كل الصعوبات. لكن فيه حقيقة تخص جدك لازم تعرفيها، وحان الوقت إنها تظهر.
توقفت غرام عن القراءة.
