
في الساعة تسعة ونص الصبح، كانت العربيات الفارهة المركونة قدام مقر “شركة الماسة للتطوير العقاري” متغطية بضباب خفيف، بس الجو جوه المقر كان أشد حرارة من الجمر. في القاعة الرئيسية للاجتماعات، كان أبوه قاعد على رأس الترابيزة، وشّه شاحب ومظلم، جنبه أمه اللي كانت ماسكة الشنطة بتاعتها بتوتر وبتبص في الساعة كل دقيقتين، ورامي قاعد في الزاوية، عينيه حمرا من كتر السهر، هدومه مش متظبطة، وجسمه بيترعش من الخوف.
أبوه خبط بإيده على الترابيزة بغضب: “يعني إيه يا رامي؟ يعني إيه البنت اللي كنت بتقول عليها سهلة وبسيطة هي صاحب شركة ‘فيكتور’؟ إنت مجنون؟ إنت ضيعتنا!”
أمه ردت بصوت مرعوب ومكتوم: “اهدى يا مجدي.. أكيد فيه حاجة غلط.. رامي بيقول إنها كانت بتلابس فساتين عادية وبتركب عربية يابانية مستعملة.. مستحيل تكون هي المستثمر المليونير اللي إحنا مستنيينه!”
رامي رفع راسه بصوت مكسور: “يا ماما أفهمي.. أنا شفت المستندات بنفسي في بيتها إمبارح.. هي المالك الرئيسي! هي عرفت كل حاجة.. عرفت إننا مديونين وعرفوا إننا كنا عايزين نلبسها الحسابات.. البنت سمعتنا في المطعم إمبارح!”
الأوضة سكتت خالص. أمه حطت إيدها على بقها بصدمة، وأبوه اتجمد مكانه، النظرة المتكبرة اللي كانت على وشهم إمبارح في العشاء اتبخرت كأنها مكنتش موجودة.
وفجأة.. الباب الألوميتال الضخم بتاع القاعة اتفتح.
دخل أربعة من رجال الأعمال والخبراء الماليين بالبدل الكحلي، وبعدهم مباشرة دخلت أنا.
كنت لابسة بدلة رسمية بيضا، كعب عالٍ، شعري مرفوع بثقة، وفي إيدي ملف جاف ومقفل. النظرة الساخرة والبسيطة اللي شافوها فيا إمبارح اختفت، وحل محلها حضور يرعب، حضور رئيس تنفيذي يملك القوة إنه ينهي أسطورة العيلة دي بضغطة قلم.
أبوه وقف فوراً من مكانه، حاول يجمع شتات كبريائه اللي أتدمر، ومد إيده بارتباك واضح: “أنسة.. أهلاً وسهلاً.. إحنا.. إحنا مكنش عندنا علم إن رئيس مجلس إدارة ‘فيكتور’ هو أنتِ بنفسك.. رامي مكنش يعرف..”
جاهلت إيده الممدودة تماماً، وقعدت على الكرسي المقابل ليه في الناحية الثانية من الترابيزة، وفريقي المالي قعد جنبي.
أمه حاولت تبتسم نفس الابتسامة الصفرا بتاعت إمبارح وقالت بصوت بترجى: “يا حبيبتي.. يا سارة.. إحنا عيلتك برضه، وأكيد اللي حصل إمبارح كان سوء فهم بسيط.. الشباب بيلغوا ورامي بيحبك جداً، وإحنا بنعتبرك زي بنتنا..”
قطعت كلامها بصوت هادي وبارد زي السكينة: “طنط.. يا ريت نخلي الكلام في شغل. العواطف الشديدة دي ملهاش مكان في الترابيزة دي.”
أمه اتخرعت وسكتت، ورامي كان باصص للأرض ومش قادر يرفع عينيه في عيني.
طلعت الملف الأسود من شنطتي وحطيته في نص الترابيزة.
“عمو مجدي..” قلتها بنبرة عملية جداً: “شركة الماسة قدامها بالضبط 72 ساعة قبل ما البنك الأهلي وبنك القاهرة يعلنوا التحفظ الرسمي على كل أصولكم، وقبل ما الموردين يرفعوا الإجراءات القانونية بسبب الالتزامات المالية المتعثرة اللي وقعتها الشهر اللي فات.”
أبوه عرق، ومسك المنديل يمسح وشّه: “إحنا.. إحنا كنا طالبين إعادة تمويل بـ 15 مليون دولار، وإحنا مستعدين ندي شركة ‘فيكتور’ أرباح ممتازة ونسبة في مشروع المدينة الجديد..”
ابتسمت نص ابتسامة وسندت ظهري لورا: “العرض ده كان مطروح لحد الساعة 8 إمبارح بالليل.. قبل ما أسمع إن أبني بياخدني عشان أنا ‘سهلة’ وممكن أصلح الغلطة وأشيل الديون بداله.”
رامي اتكلم بلهفة: “سارة.. أرجوكي.. أنا غلطت، اديني فرصة ثانية أثبتلك إني..”
شاورتا بإيدي للمدير المالي بتاعي إنه يتكلم، ففتح اللابتوب وقال بصوت جاف: “وفقاً للتقييم الأخير اللي أجرته شركتنا، شركة الماسة قيمتها الفعلية حالياً بالسالب. الديون تتجاوز الأصول بـ 4 ملايين دولار. بناءً على تعليمات الأستاذة سارة، تم سحب عرض التمويل بشكل نهائي.”
أبوه وقع على الكرسي كأنه أتحرم من الأكسجين: “سحبتوا التمويل؟ يعني إيه؟ يعني الشركة هتفلس؟ أنا هتحاسب قانونيًا!”
أمه بدأت تعيط بصوت عالي: “أرجوكي يا سارة.. حرام عليكي! بلاش تدمري مستقبلي ومستقبل ابننا عشان كلمة اتقالت في لحظة هزق! إحنا عيلة محترمة، لو الشركة أفلست اسمنا هينزل في الأرض!”
بصيت لها بكل برود وقاطعتها: “اسمكم نزل في الأرض إمبارح لما افتكرتوا إن الطيبة استغفال، وإن البنت اللي ملهاش معارف ولا فلوس ينفع تتاكل ويتلعب بيها. إنتوا مكنتوش عايزين يتجوزني عشان ‘برستيج العيلة’.. إنتوا كنتوا عايزين شماعة تلبسوها فضيحتكم الماليّة.”
فتحت صفحة ثانية من الملف، وحطيتها قدام أبوه.
“ده العرض الجديد والوحيد من شركة ‘فيكتور’.”
أبوه مسك الورقة وإيده بتترعش، وقرأ العنوان بصوت مخنوق: “عرض شراء الأصول؟”
“بالظبط..” كملت كلامي بثبات: “أنا هشتري كل أصول شركة الماسة، بما فيها مشروع المدينة الجديد والتراخيص، بـ 2 مليون دولار بس.. المبلغ ده هيكفي بالظبط عشان يمنع تعرضك للمساءلة، بس هيسيبك بدون دولار واحد في البنك، وبدون أي حصة في الشركة اللي بنيتها في 20 سنة. الشركة هتتغير اسمها لشركة ‘فيكتور العقارية’، وإنت ورامي مش هتحطوا رجليكم فيها ثاني.”
بيوت!”
وقفت بالراحة، ولفت زارير البدلة البيضا، وبصيت له من فوق لتحت: “قدامك 24 ساعة ياما تمضي على العرض ده وتطلع من السوق بالستر ومن غير مساءلة، ياما ترفض، والساعة 10 صباحاً بعد بكره البنك هيحجز على فيلتكم، وعربياتكم، وشركتكم، وهتطلعوا بره الشارع ملكمش ملجأ.. ورامي هيتحاسب قانونيًا بسبب المستندات المالية المخالفة اللي مضاهالي إمبارح في أوراق الشراكة.”
رامي بصلي برعب: “أوراق إيه؟”
“الأوراق اللي المحامي بتاعك جابهالي إمبارح.. الخبراء بتوعي راجعوها، وفيها مخالفات واضحة في توقيعات السجلات التجارية.. دي لوحدها فيها عواقب قانونية كبيرة.”
الأوضة اتملت بالصمت الشديد. أمه وقعت على الأرض بتعيط وبتمسك في رجلي: “سارة.. سامحينا.. أرجوكي ارحمينا! مش هنعمل كده تاني.. هنسيبك في حالك بس بلاش تخربي بيتنا!”
بعدت رجلي عنها بهدوء، ومسكت شنطتي ووقفت قدام رامي اللي كان منهار وبيعيط كأنه طفل صغير.
“إنت قلت إني سهلة..” قلتها بصوت واطي جداً بس وصل لأعماق قلبه: “النهاردة هتتعلم إن أسهل حاجة عندي.. هي إني أمحي وجودك من حياتي ومن السوق كله.”
لفيت ظهري ومشيت في الطرقة، وصوت عياط أمه وصراخ أبوه وراء الباب بيتردد في المقر كله. وأنا طالعة من باب الشركة، فتحت التليفون وبعتت رسالة للمدير المالي:
“حضّر أوراق الشراء.. بكره الصبح الشركة دي هتبقى ملكي بالكامل.”
مرت الـ 24 ساعة زي الكابوس على عيلة رامي.
الساعة كانت تسعة وخمسين دقيقة الصبح لما دخل أبوه ورامي ومحاميهم مقر شركتي “فيكتور اللوجستية”. كانت دي أول مرة يرجعوا يشوفوني فيها، بس المرة دي في ملعبي وعلى أرضي. الأب كان شكله كأنه كبر عشر سنين في يوم واحد، عينيه مطفية ووشه شاحب، ورامي ماشياً وراه زي الخيال، لا قادر يرفع عينيه ولا يفتح بقه بكلمة.
