
٢. الست اللي اتعلمت تحتفظ بالأدلة
ما رحتش عند أي صاحبة. ركبت تاكسي وروحت فندق صغير في الناحية التانية من المدينة. دفعت من فلوسي، وطلعت الأوضة، وحطيت الشنطة جنب السرير، واتأكدت إن الباب مقفول كويس.
بعدها قعدت، ولأول مرة من ساعة ما خرجت من المكتب العسكري، إيديا بدأت ترتعش بجد. ماكنتش خايفة من الوحدة، كنت خايفة أعرف المؤامرة دي وصلت لفين.
فتحت الموبايل. التسجيل كان واضح فيه كلام منير وتحذيراته، بما فيها مكالمة ليلى اللي رد عليها بصوت مسموع قدامي. وكان عندي كمان تسجيل المكالمة اللي حصلت بيني وبينه في العصر، لأن تطبيق تسجيل المكالمات عندي كان مضبوط إنه يحتفظ بمكالمات الأشخاص المهمين.
كنت فعلت الخاصية دي بعد الفضيحة اللي حصلت من تلات سنين، لما بقيت بتلقى تحذيرات مجهولة كل يوم. عمري ما تخيلت إني هستخدم التسجيلات دي ضد جوزي، أو بالأصح، ضد الراجل اللي كان بيمثل إنه جوزي.
حفظت نسخ من التسجيلات على وحدة تخزين خارجية، ونسخة تانية في حساب محمي. بعدها كتبت تسلسل الأحداث بالتواريخ: خطوبتي على أحمد الشناوي، وبلاغي عن ملف ليلى، وحملة التشهير، ووقفّي عن الشغل، وظهور منير في حياتي، والجواز المزيف، لحد ما اكتشفت الحقيقة.
كل تاريخ كتبته رجّع لي ذكرى. اليوم اللي منير ساعدني أخرج فيه من باب جانبي، بينما الصحفيين بيصرخوا بأسئلة عن أمي. واليوم اللي دفع فيه أتعاب المحامي. واليوم اللي وعدني فيه إنه مش هيسمح لأي حد يأذيني تاني.
فضلت باصة للجملة الأخيرة. يمكن بعض اهتمامه كان حقيقي، لكن ده ماكانش يمسح باقي الحقيقة. الواحد ممكن يفتكر الفاكهة اللي بتحبيها، وفي نفس الوقت يكون بيخطط لتدمير حياتك.
الساعة اتنين بعد نص الليل، بعت رسالة للمحامية اللي دافعت عني وقت الفضيحة الأولى. اسمها أستاذة نجلاء، وبقالنا تقريبًا سنة ما اتكلمناش. كتبت لها: محتاجة مساعدتك. اكتشفت إن جوازي مزور. معايا أدلة، وأنا حامل.
بعد اتناشر دقيقة، ردت: ماترجعيش البيت ده. تعالي مكتبي بكرة، وهاتي كل المستندات الأصلية اللي معاكي.
ولأول مرة من ساعات، قدرت أتنفس من غير ما أحس بحمل تقيل على صدري.
تاني يوم الصبح، أستاذة نجلاء فحصت قسيمة الجواز وسمعت التسجيلات كلها. ماقاطعتنيش. ولما خلصت، قفلت الملف وسألتني: تحبي أشرح لك الأول موقفك القانوني، ولا المخاطر اللي ممكن تتعرضي لها؟ قلت لها: المخاطر.
هزت راسها وقالت: منير عنده نفوذ، ووصول لمعلومات إدارية، وسمعة قوية. غالبًا هيحاول يصور الموضوع على إنه خلاف عاطفي. ولو قدر يقنع الناس بكده، كتير منهم مش هيركزوا على تزوير المستندات. بصت لبطني وكملت: وفيه احتمال يستخدم الطفل عشان يفضل مسيطر عليكِ.
سألتها: أقدر أثبت إنه أبوه؟ فيه إجراءات قانونية لتحديد النسب. لكن مش هنسمح له يحول الموضوع لمساومة عشان تسكتي. كلامها كان حاسم. ماوعدتنيش بانتصار سهل، وعشان كده بالذات وثقت فيها.
قلت لها: فيه حاجة تانية. ليلى اتكلمت عن السجلات الأصلية لملف تدريبها. رفعت عينيها وسألت: معاكي نسخة منها؟ هزيت راسي بالنفي. لأ، لكن أعرف حد ممكن يكون عارف مكانها.
٣. خطيبي السابق
أحمد الشناوي جه مكتب المحامية بعد ظهر نفس اليوم. ما شفتوش من يوم ما نشر كلام عن أصلي العائلي في منتديات المنطقة العسكرية.
كان شكله أكبر من سنه. لسه فيه غرور في مشيته، لكن الهالات السودة تحت عينيه كانت واضحة، والبدلة العسكرية بقت أوسع عليه شوية. وقف أول ما شافني وبص لبطني. يعني الكلام طلع حقيقي.
قلت له ببرود: لو جاي تتكلم عن حياتي الشخصية، تقدر تمشي. بص لأستاذة نجلاء وقال: محتاج أتكلم مع مريم. ردت عليه: تقدر تتكلم قدامي، وبوجودي كمحاميتها.
ضغط على فكه وقعد. قال: عمي غلط. ضحكت من غير أي مرح. وصف شيك جدًا لسنتين من الخداع. نزل عينيه وقال: أنا ماكنتش أعرف إن قسيمة الجواز مزورة. لكن كنت عارف كويس إنت عملت إيه من تلات سنين. ما ردش.
أستاذة نجلاء حطت جهاز تسجيل على الترابيزة، وشرحت له شروط الكلام. وبعد ما وافق، طلع فلاشة صغيرة. قال: هنا السجل الكامل لكل التعديلات اللي حصلت في ملف ليلى. قدرت أخلي السجلات محفوظة من خلال طلب مراجعة داخلية.
سألته: ليه دلوقتي؟ فضل باصص لي شوية، وبعدها قال: لأن ليلى قالت لي إن منير كان بيساعدها من البداية. أنا كنت فاكر إن عمي عرف بالموضوع بعد ما حصل. لكن لما راجعت السجلات، لقيت تصريح دخول للنظام صادر من مكتبه.
حسيت بقشعريرة في جسمي. يعني هو اللي أمر بالتزوير؟ لسه ماقدرش أثبت ده بشكل قاطع. لكن هو اللي سمح بالدخول الاستثنائي للنظام في الليلة اللي اتغيرت فيها النتائج. وأنا اللي عدلت البيانات بنفسي. قالها من غير ما يحاول يبرر لنفسه.
ولأول مرة، سمعت أحمد يعترف بوضوح. كرر كلامه: أنا اللي عملت التعديلات. وليلى استخدمت الملف بعد كده وهي عارفة إن فيه بيانات مزورة. قلت له: دي حاجة أنا عارفاها من زمان.
كمل: اللي ماكنتيش تعرفيه إن عمي تدخل عشان يضمن قبول الملف من غير مراجعة تانية.
أستاذة نجلاء بدأت تدوّن ملاحظاتها، وبعدها سألته: ليه ماقلتش الكلام ده وقت التحقيق الأول؟ سكت أحمد فترة، ثم قال: كنت خايف أخسر مستقبلي العسكري. كانت دي أول جملة أسمعها منه وأحس إنها صادقة تمامًا.
سألته: ودلوقتي مبقتش خايف؟ لأ، لسه خايف. لكن منير أمرني أتلف الملفات وأمضي إقرار أتحمل فيه المسؤولية لوحدي. ووعدني إنه هيحافظ على مستقبلي لو نفذت كلامه، ولو رفضت هيدمرني.
بصيت له بثبات. من تلات سنين، إنت عملت معايا نفس الحاجة بالضبط. ما رفعش راسه. أنا عارف. قلت له: وصفتني بأني بنت علاقة غير شرعية قدام مئات الناس. وخليت ناس غريبة تهين أمي، وهي كانت متوفية أصلًا. إنتوا اتكلمتوا عن أصلي عشان محدش يسأل عن التزوير.
