قصص وروايات

عيلة خطيبى ٣

في ظرف ساعتين بس، الشكوى اللي عملوه اترد في صدورهم زي السهم!

الجهات المختصة أصدرت إجراء قانوني فوراً على رامي ووالدته بتهمة الشكوى الكاذبة، المخالفات في أوراق رسمية، والمقابل المالي غير القانوني.. وأمر باستدعاء الدكتور اللي كتب التقرير غير الصحيح!

في تمام الساعة 9:45 الصبح، دخلت مكتبي في شركة “فيكتور”. طارق كان واقف بيعرضلي الصور اللي نازلة في الأخبار: صور رامي وهو تحت إجراء قانوني وبرفقة رجال الأمن من بيته، وأمه بتصرخ وبتداري وشها من كاميرات الصحفيين وهي داخلة عربية الشرطة.

رامي اللي كان بيقول عليّ “سهلة ولا معاها فلوس ولا معارف”، بقى صورته على كل شاشات البلد وهو تحت إجراء قانوني بتهمة كبيرة!

وعلى الساعة 9:55.. الباب خبط.

دخل عاصم المحروقي بنفسه.. بس المرة دي مكنش فيه نظارة شمس، ولا هيبة، ولا ابتسامة نصر. كان شكله إنسان أدرك إن القطار داسه بالكامل.

حط الشنطة بتاعته على الترابيزة، وطلع منها عقود الشراكة الجديدة لمشروع “المدينة الجديد” بعد ما وقّع عليها وختمها بختم مجموعة المحروقي، ومعاها إيصال تحويل بانكي بـ 20 مليون دولار سيولة فورية للمشروع.

عاصم بصلي بصوت مكسور ومفهوش نقطة غرور واحدة: “إنتي مش بشر يا سارة.. إنتي كابوس. أنا وقعت وضخيت السيولة.. ومقابل ده، الملفات اللي معاكي تتعدم، واسمي يفضل بعيد عن ملف مجدي ورامي.”

سحبت العقود، راجعتها بعيني بدقة، وبعدين حطيت الفلاشة والأوراق الأصلية في آلة التقطيع الخاصة بالمستندات قدام عينيه.. الأوراق اتحولت لشراشيب صغيرة في ثواني.

“شراكتنا تبدأ من النهاردة يا عاصم بيه..” قلتها بنبرة عمليّة باردة: “بس افتكر دايماً.. أي حركة غدر ثانية، الأسهم اللي أملكها في شركتك كفيلة تدمرك في جلسة بورصة واحدة.”

عاصم هز رأسه ومشي من غير ما ينطق كلمة واحدة.

بعد الضهر، جالي اتصال من محامية العيلة.. قالتلي إن رامي موجود في مكان الاحتجاز، وطلب يكلمني دقيقة واحدة بس من التليفون، وبيعيط وبيتوسل إني أسامحه وأتنازل عن ملف المستندات عشان أمه الكبيرة في السن متحاسبش.

مسكت التليفون ووافقت أسمع صوته للمرة الأخيرة.

جه صوته من الناحية الثانية، مكسور، بينهج ويدوب طالع منه الكلام وسط الدموع: “سارة.. أرجوكي يا سارة! أمي هتتعب جوة.. وأنا والله العظيم أتعلمت الدرس! أنا بقيت تحت الجزم.. أرجوكي اتنازلي عن ملف المستندات والشكوى الكاذبة.. مش عايز فلوس ولا عايز شركة ولا أي حاجة.. أرجوكي بس أنقذينا من المصير الصعب!”

سكت لثواني.. النبرة الهادية البسيطة اللي كان بيحبها رجعت في صدمة صوته:

“فاكر يا رامي لما كنت واقفة بره الباب وسمعتك بتقول ‘دي سهلة’؟”

رامي شهق بكسرة: “سامحيني.. كنت غبي.. كنت أهبل!”

“أنا فعلاً كنت سهلة يا رامي..” كملت كلامي بابتسامة هادية جداً: “سهلة للي يصونني ويحترمني.. بس للي يفكر يستغفلني أو يستقل بيا.. أمتك وأنت هتسددوا ثمن كل كلمة اتقالت في القاعة دي.. القانون بياخد مجراه، وأنا مابتنازلش عن حقي.”

وقبل ما يلحق يتكلم أو يرغي، قفلت السكة في وشه تماماً.

سندت ظهري على الكرسي في مكتبي بالدور الخمسين، وبصيت للمدينة من الشباك. كل أوراق اللعبة بقت في إيدي، والمستقبل بقى أوسع وأقوى من أي وقت فات.

بس في اللحظة دي.. سكرتيرة مكتبي خبطت واستأذنت ودخلت وهي ماسكة باقة ورد بيضاء ضخمة جداً وفخمة، وتحتها علبة قطيفة حمراء.

“سارة هانم.. دي وصلت لحضرتك حالاً من المطار.. ومعاها كارت باسمك.”

استغربت.. أخدت الكارت وفتحته، كانت مكتوبة فيه جملة واحدة بخط يد أنيق جداً:

“الدرس كان ممتاز يا سارة.. وعيلة مجدي كانت مجرد تسخين. بس المحطة الجاية أكبر بكتير.. مستنيكِ في طوكيو عشان نفتح الملف الحقيقي لشركتك.. المالك الحقيقي للـ 29% المتبقية من أسهم ‘فيكتور’.”

مسكت الكارت بين إيدي، وعيني معلقة على الجملة: “المالك الحقيقي للـ 29% المتبقية من أسهم ‘فيكتور'”.

الـ 29% دول كانوا الحصة الوحيدة اللي مكنتش أملكها في شركتي، وكانوا مع مستثمر أجنبي مجهول الاسم، بيتعامل من 6 سنين من خلال صندوق استثماري مغلق في سويسرا، وعمره ما تدخل في أي قرار إداري أو طلب توزيع أرباح. كنت دايماً فاكرة إنه مجرد صندوق تحوط دورية أرباحه هادية.. بس الاتصال ده غيّر كل حاجة.

فتحت العلبة القطيفة الحمرا.. كان فيها مفتاح ذهبي أنيق عليه شعار غريب، وتحته تذكرة طيران على الدرجة الأولى لطوكيو، محجوزة باسمي للرحلة اللي طالعة بكرة الصبح.

ابتسمت.. ابتسامة حقيقية، المرة دي مش ابتسامة وهم، دي ابتسامة التحدي والشغف اللي بنوا إمبراطوريتي من الصفر.

التفتت للسكرتيرة وقلت بثبات وصوت صارم: “إلغي كل مواعيدي الأسبوع ده.. وبلّغي طارق يحضّر الطيارة الخاصة وفريق الأمن. سفرنا بكرة الصبح لليابان.”

بعد 12 ساعة طيران، هبطت الطيارة في مطار هانيدا الدولي في طوكيو.

كانت فيه عربية ليموزين سوداء مصفحة مستنياني عند مدرج الطيران. العربية مشيت بينا وسط أنوار طوكيو المبهرة الساحرة، لحد ما وقفت قدام أطول ناطحة سحاب في حاي “روبونجي”.. المقر الرئيسي لأكبر مجموعة لوجستية وتكنولوجية في آسيا.

المصعد السريع طلع بيا للدور الـ 80.. السقف كله زجاج بيطل على طوكيو بالكامل في المشهد اللي بياخد العقل.

في آخر القاعة، كان قاعد راجل في أواخر التلاتينات، لابس بدلة يابانية فخمة وبسيطة جداً، ماسك فنجان شاي وبيقرأ التقرير المالي الأخير لشركتي “فيكتور”.

أول ما دخلت، وقف بهدوء، ولف وشّه.. وبصلي بابتسامة فيها احترام عميق وتقدير خالي من أي استعلاء.

“أهلاً بيكي يا سارة هانم في طوكيو..” قالها بلغة عربية مكسورة بس فصيحة: “أنا كينجي أراكي.. رئيس مجموعة أراكي العالمية.. والشريك المتخفي اللي بيمتلك 29% من أحلامك.”

قعدت قدامه على الكرسي بثبات، وحطيت المفتاح الذهبي على الترابيزة بيننا: “أهلاً بيك يا كينجي بيه.. أعتقد السلسلة الطويلة من الألغاز انتهت هنا. عيلة رامي أتدمرت بالقانون، وعاصم المحروقي بقى شركاء معايا تحت السيطرة.. إيه الدرس اللي كنت بتقول عليه في الكارت؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى