
قعدوا في قاعة الاجتماعات الكبيرة على الترابيزة الزجاجية الفخمة. أنا مكنتش قاعدة مستنياهم، سبتهم عشر دقائق كاملين يعرقوا ويتوتروا، وبعدين دخلت ومعايا الفريق القانوني بتاعي.
أبوه حط إيده على الترابيزة وهو بيترعش، وبصلي بصوت مكسور تماماً: “سارة.. إحنا موافقين على العرض. هنوقع على بيع أصول شركة الماسة بـ 2 مليون دولار.. بس أرجوكي، الأوراق والمستندات المالية المخالفة اللي مع محاميكي تنتهي فوراً، ومش عايزين أي ملاحقات قانونية لرامي.”
سندت إيدي على الترابيزة وابتسمت ابتسامة باردة: “الشرط ده معناه إن العرض ميبقاش 2 مليون.. هيبقى مليون ونصف بس. الـ 500 ألف زيادة دي هي تمن سكوتي عن الشكوى اللي كانت هتودي ابنك في مصير صعب.”
رامي بصلي بذهول ودموعه نازلة: “سارة! حرام عليكِ.. إحنا كده هنطلع للشارع! المليون ونصف دول مش هيغطوا مصاريف حياتنا ولا إيجار بيت حتى بعد ما نبيع الفيلا عشان نسدد باقي الديون الشخصية!”
بصيت لرامي بعيون حادة زي الصقر: “وإنتوا مكنتوش طالعين بيا للشارع لما كنتوا فاكرين إن اللي قدامكم فقيرة وهتلبسونِي ديونكم ومسؤوليتكم القانونية؟ إنت وأمك وأختك كنتوا قاعدين بتتضحكوا عليا وترتبوا إزاي تستغلوا طيبتي وبساطتي.. ودلوقتي جاي تتكلم عن الحرام والحلال؟”
الأب مسك القلم بإيد بتترعش، وقبل ما يمضي بصلي وقال: “إنتي معندكيش قلب؟ إزاي واحدة بالبرود ده كانت عايشة وسطينا ست شهور وتمثل إنها طيبة وبسيطة؟”
“أنا مكنتش بمثل يا عمو مجدي..” رديت بصوت واطي وواثق: “أنا فعلاً كنت طيبة وبسيطة وبحب ابنك بجد.. بس إنتوا اللي افترضتوا إن الطيبة عجز، وإن البساطة غباء. إنتوا اللي اخترتوا تلعبوا مع الشخص الغلط.”
الأب غمض عينيه ومضى على كل أوراق التنازل والاستحواذ. في لحظتها، شركة “الماسة للتطوير العقاري” انتهت رسمياً، وبقت رسمياً أصل من أصول شركتي. أخدت المستندات، ودست على زرار الإنتركوم: “الأمن يرافق الأستاذ مجدي ورامي بره المبنى.. وإلغاء أي كروت دخول ليهم لأي مقر يخصنا.”
خرجوهم مطأطئي الرؤوس، بس القصة مكنتش انتهت عند كده.
بعد أسبوع واحد، نقلنا مقر شركة الماسة لعهدة شركتي، وغيرنا اسمها لـ “فيكتور العقارية”. وفي اليوم اللي تسلمنا فيه أصول المشروع، عملت مؤتمر صحفي ضخم في أكبر فندق في البلد عشان أعلن عن انطلاق مشروع “المدينة الجديد” تحت إدارتي أنا شخصياً وضخ 20 مليون دولار سيولة مباشرة فيه.
المؤتمر كان متغطى من كل الصحف والقنوات الفضائية.
وأنا واقفة على المنصة، بدلة حمرا فخمة والمايك في إيدي، المحت في آخر القاعة أمه وأخته واقفين ورا الكاميرات، لابسين هدوم بسيطة أوي ومجرد حضور متفرجين بين الزحمة، بيحاولوا يدخلوا عشان يكلموني أو يوصلولي. عين أمه كانت مليانة قهر والحسرة وهي شايفاني بتصور مع كبار رجال الأعمال والوزراء، والكل بيقف قفل ويصفقلي.
الصحفيين بدأوا يسألوا، وجالي سؤال مباشر من صحفي في جريدة اقتصادية كبيرة:
“أستاذة سارة.. شركة الماسة كانت على وشك الإفلاس والانهيار الإداري تحت إدارة عيلة ‘مجدي’.. إزاي قدرتي تسيطري على الشركة في وقت قياسي كده وتنقذي المشروع؟”
مسكت المايك، وبصيت بثبات ناحية الباب الأخير حيث كانت أمه وأخته واقفين، وقلت بابتسامة متألقة وصلتهم في مكانهم:
“في عالم الأعمال.. أكبر غلطة ممكن يعملها أي رجل أعمال، إبرامه لصفقة وهو فاكر إن اللي قدامه ‘سهلة’ أو مالهاش قيمة. شركة الماسة سقطت لأن أصحابها شغلهم التكبر والاستعلاء عن إنهم يشوفوا الحقيقة.. وأنا مأنقذتش الشراكة، أنا اشتريت بقاياها، وعدت بنائها من جديد بقواعدي أنا.”
الكاميرات كلها كانت بتصور، والتصفيق هز القاعة. أمه غطت وشها وعيطت وخرجت تجري بره الفندق هي وأخته، متقدرش تستحمل الإهانة العلنية اللي عاشوها.
في نفس اليوم بالليل، وأنا راجعة بيتي، كانت المطرة نازلة بغزارة. لما نزلت من عربيتي قدام مدخل العمارة، لقيت رامي واقف تحت المطر، سهران ومبلول كله، جسمه بيلف من البرد، وفي إيده بوكيه ورد ذبلان من المية.
أول ما شافني، أسرع عليا والحرّاس بتوعي اعترضوا طريقه فوراً ومسكوه.
صرخ بقلة حيلة ودُموع: “سارة! سارة أرجوكي دقيقة واحدة بس! أرجوكي اسمعيني!”
شاورت للحرّاس يسيبوه، وقفت تحت المظلة وبصيت له وهو مبلول ومكسور قدامي: “عايز إيه يا رامي؟ أعتقد مفيش أي أوراق بيننا متبقية.”
رمى الورد على الأرض وقرب خطوة وهو بيعيط بحرقة: “أنا اتدمرت يا سارة.. من يوم ما سيبتيني وأنا حياتي جحيم. بابا جاله وعكة صحية ومحجوز في البيت، وأمي قاطعت أختي وبنبيع عفش الفيلا عشان نسدد إيجار الشقة الجديدة اللي أجرناها.. أنا ضعت! أنا اشتغلت في شركة شحن صغيرة كاتب حسابات براتب لا يذكر.. أنا حاسس إني بفيلم مرعب ومش عارف أصحى منه!”
بصيت له بمنتهى الجمود: “دي مش لعنة يا رامي.. دي النتيجة الطبيعية لأفعالك. إنتوا جنيتوا اللي زرعتوه.”
نزل على ركبه في الطين قدام الجراج، ومسك أطراف جزمتي بقلة حيلة: “سامحيني.. أنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، اشتغل عندك سواق، أعمل أي حاجة بس ترجعيلي.. أنا اكتشفت إني بحبك بجد، ومش قادر أعيش من غيرك!”
وطيت شوية وبصيت في عينيه المليانة طين ودموع: “إنت مابتحبنيش يا رامي.. إنت بتحب الفلوس والسيطرة، ولما لقيت إن القوة بقت في إيدي إنت بقى عندك هوس بيا.. إنت زيك زي طليقي بالظبط، بس هو كان واضح من الأول، إنما إنت كنت جبان ومستخبي ورا قناع الطيبة.”
سحبت رجلي بهدوء، ورامي صرخ وهو بيمسك في الهوا: “أرجوكي يا سارة! متسبينيش كده! أنا مش قادر أكمل!”
وقفت عند باب العمارة، ولفيت بصيت له أخر بصة: “اللي يتحمل نتيجة أفعاله بكرامة يكون أقوى.. إنت حتى الكرامة دي معندكش منها.. ومتحاولش تجيلي هنا تاني، لأن المرة الجاية مش هطلب من الأمن يبعدوك.. هطلب الجهات المختصة بسبب المضايقة والتعدي على خصوصيتي.”
