مذكرات فاروق الشرع

كان الشـ,ـرع يعلم أن العودة في ظل هذه الظروف ستعني موافقة ضمنية على أفعال نظام سياسي لم يعد يثق فيه، نظام تسيطر عليه “السلطة الخفية” التي كانت تعارض وتعطل كل فرصة للحوار أو الحل السياسي، ولطالما تهكم الشـ,ـرع على مقولة بشار الأسـ,ـد الشهيرة بأن “الحل السياسي، سيكون موازياً للحل العسكري”، بالقول “في العلوم الخطان المتوازيان لا يلتقيان”.
ويصف الشـ,ـرع قرار اعتزاله العمل السياسي بالقول: كان استمرار وجودي في الحكم لفترة أطول وغير محددة بحل سياسي واقعي سيعني موافقتي على هذا النهج المد,مر للبشر والحجر، ويستشهد الشـ,ـرع في هذا السياق بقول الإمام علي: “إذا سكت أهل الحق على الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق”.
القيادة تعزل الشـ,ـرع
في تموز 2013، لم يكن مؤتمر حزب البعث سوى ستار رقيق لعملية تصفية سياسية داخلية، انتهت بإقـ,ـصاء فاروق الشـ,ـرع نهائياً من دائرة القرار. روى الشـ,ـرع الذي كان وقتئذ لايزال من الناحية الشكلية نائباً للرئيس وعضواً في القيادة القطرية للحزب كيف تم استدعاؤه إلى اجتماع مغلق عشية عقد المؤتمر، حضره محمد سعيد بخيتان الأمين القطري، وهيثم سطايحي، وأسامة عدي واقترحوا على الشـ,ـرع لقاءً فردياً مع الأسـ,ـد تحت شعار “مصلحة الحزب”.
رفـ,ـض الشـ,ـرع الفكرة وأدرك أن الأمر لا يتعدى محاولة استيعاب صوته المعـ,ـارض للحل العسكري، فكما قال: “ألمح البعض إلى أن ما دار بيننا سيصل حتماً إلى مسامع الرئيس، وانصرفنا لأن مزيداً من النقاش لن يغير شيئاً”.
في اليوم التالي عقد المؤتمر داخل قصر الشعب، من دون انتخابات، ولا شفافية، ولا حتى حضور كامل لأعضاء اللجنة المركزية، بل جُلب أشخاص اختيروا من قبل الأسـ,ـد وأجهزته الأمنية. وجه المتحدثون بحسب الشـ,ـرع سيلاً من الانتقادات للقيادة الحزبية كلها ما عدا بشار الأسـ,ـد، الذي بدا ساخراً من بخيتان الذي جلس على كرسي مخلخل، يعلو ويهبط، في مشهد وصفه الشـ,ـرع بالقول: “لا يستطيع أحد وصف هذه الحالة بروحها الساخرة إلا الكاتب الروـ,ـسي أنطون تشيخوف”.
ثم أعلن الأسـ,ـد من غـ,ـرفة جانبية تشكيل قيادة جديدة (لم تضم أي اسم من القيادة القطرية السابقة) من دون تصويت، واستُبعد الشـ,ـرع نهائياً، لا لأنه فشـ,ـل حزبياً، بل لأنه كما قال “كان من وجهة نظر الرئيس العقائدية لا يؤيد الحل العسكري”. بعد المؤتمر أُغلق مكتب فاروق الشـ,ـرع كنائب للرئيس، وتم تسريح جميع الموظفين، حتى عمال النظافة، وتم توزيع نسبة منهم في وزارات مختلفة، ووصلت تعليمات صـ,ـارمة بمنع زيارة فاروق الشـ,ـرع أو التواصل معه من قبل أي موظف في الدولة.
في نهاية مذكراته يُحمل الشـ,ـرع الجهات الرسمية مسؤولية الشائعات التي دارت حول مصيره بالقول: من غير الموثق في الصحف الرسمية متى تركت منصبي الأخير نائباً للرئيس، ولم توضح القيادة التي كنت عضواً فيها، فيما إذا كنت قد قدمت استقالتي من الحزب أو أُقلت منه. ولا يبدو أن معظم الناس يعرفون حقيقة الوضـ,ـع الذي كنت فيه، فقد تُرك الأمر لتكهنات وسائل الإعلام العربية والأجنبية. فتارة تعتبرني منشقاً عن النظام، وتارة أخرى في إقامة جبرية أو خاضعاً لحماية دولة كبرى!
ختاماً يبدو واضحاً من خلال قراءة ما بين سطور هذه المذكرات أن الشرع لم يقصَ من المنصب فقط، بل من الحياة السياسية والاجتماعية برمتها، لقد تم نفيه داخلياً بصمت، لأنه قال: لا للقتل، فكانت نهايته نهاية رجل حاول أن يكون صوت العقل وسط هدير السـ,ـلاح، فاختار النظام أن يصمت العقل ليعلو صوت المدفع عالياً.
تلفزيون سـ,ـوريا




