من القمة إلى الهاوية.. القصة الكاملة السرية لرامي مخلوف

من القمة إلى الهاوية.. القصة الكاملة السرية لرامي مخلوف

يُعد رامي مخلوف الشخصية الاقتصادية السورية الأبرز على مدار فترة طويلة من حكم ابن خاله الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث ارتبط اسمه بالنفوذ الاقتصادي الهائل، والسيطرة على قطاعات حيوية، والاتهامات بالفساد خلال حكم عائلة الأسد.

في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية على الساحل السوري وُلد رامي في 10 يوليو/تموز عام 1969، وهو الابن الأكبر لمحمد مخلوف، شقيق أنيسة مخلوف، زوجة الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، مما يجعل رامي ابن خال بشار الأسد، ولهذا فقد نشأ في عائلة ذات نفوذ اقتصادي وسياسي كبير.

 

محمد مخلوف والبداية

تعود قصة هذه العائلة إلى عام 1972، حين تولى محمد مخلوف أخو أنيسة إدارة المؤسسة العامة للتبغ، وظل على رأسها حتى إبعاده عنها عام 1985، ثم تولّى فيما بعد إدارة المصرف العقاري، وبحسب بعض التسريبات الصحفية الاستقصائية فإن محمد مخلوف، فور تسلمه منصب إدارة المصرف العقاري السوري، فرض تسعيرة على القروض الممنوحة من المصرف بنسبة فائدة بلغت 15%، واستند إلى هذه التسعيرة في منح قروض ضخمة بمليارات الدولارات، ما أتاح له تحقيق أرباح شخصية مباشرة.

 

 

ومن خلال موقعه في المؤسسة العامة للتبغ، ولاحقا في المصرف العقاري، استطاع مخلوف أن يراكم ثروات ضخمة لم تُعرف قيمتها بدقة على مدى سنوات من العمل في هذين القطاعين الحيويين، وبحلول عام 1980، تنبّه مخلوف إلى الأهمية الضخمة لقطاع النفط السوري الوليد آنذاك، وما يدرّه من أموال هائلة، فانتقل إلى الاستثمار فيه، إذ أصبح شريكا في “شركة الفرات للنفط”، وهي شركة مختصة بالتنقيب عن النفط واستثمار الحقول.

وفي العام نفسه، قام محمد مخلوف بتأسيس شركة “ليدز” النفطية، التي اتخذت من العاصمة السورية دمشق مقرا لها، بالشراكة مع قريبه رجل الأعمال نزار أسعد، ولإخفاء صلته المباشرة بالشركة، عمد مخلوف إلى تسجيل حصته باسم غسان

 

مهنا، شقيق زوجته، الذي كان يشغل سابقا منصبا في شركة النفط والغاز السورية، وقد دخلت “ليدز” بعد ذلك إلى سوق الاستثمار في قطاع النفط، مستفيدة من النفوذ الواسع الذي تمتع به مخلوف داخل مؤسسات الدولة الاقتصادية.

ورغم كل ذلك، لم يكن محمد مخلوف وابنه رامي من المتنفذين على القرار الاقتصادي والسياسي الأكبر في البلد في ظل حافظ الأسد، إلى أن سنحت لهما الفرصة مع تفاقم وضع حافظ الصحي عام 1998، وبداية انتقال السلطة إلى ابنه بشار، حيث بدأ نفوذ العائلة، وخاصة رامي مخلوف، بالتوسع بشكل غير مسبوق.

 

 

ومع تقلد بشار السلطة عام 2000، أدى ضعف خبرته السياسية والاقتصادية إلى بروز شخصية خاله محمد مخلوف بصفته مستشارا فعليا ومؤثرا خلف الكواليس، وقد استفاد مخلوف من ثقة الأسد الابن وإعجابه بطريقة إدارته ومهاراته الاقتصادية، ليضع خطة إستراتيجية تهدف إلى إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد السوري، شملت أهم القطاعات الحيوية مثل النفط، والاتصالات، والقطاع المصرفي.

وبحسب بعض التقارير الاقتصادية وقتها، تولى مخلوف الإشراف على قطاع النفط بجميع جوانبه، من التنقيب إلى التصدير والاستيراد، وأسّس في هذا السياق شركات بالشراكة مع كلٍّ من غسان مهنا ونزار أسعد، بينما أوكل لابنه رامي إدارة قطاع الاتصالات، الذي أصبح لاحقا أحد أبرز مصادر النفوذ المالي للعائلة، ولا شك أن كل ذلك كان بالتعاون مع آل الأسد.

 

 

فوفقا للمصادر الاقتصادية السابقة ذاتها، فإن عائلة مخلوف والأسد كانتا تسيطران بين عامي 2000-2007 على أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، الذي قُدّر حينها بنحو 60 مليار دولار، فيما بلغت الثروة الإجمالية للعائلتين أكثر من 10 مليارات دولار، في مؤشر واضح على حجم التمركز المالي الذي حققته هذه الشبكة العائلية خلال السنوات الأولى من حكم بشار الأسد.
كومبو رامي مخلوف وبشار الأسد وأسماء الأسد
عائلة مخلوف والأسد كانتا تسيطران بين عامي 2000-2007 على أكثر من 10% من الناتج المحلي الإجمالي السوري، الذي قُدّر حينها بنحو 60 مليار دولار. (مواقع التواصل)
إمبراطورية رامي

 

أما رامي فقد تلقى تعليمه في سوريا، وتدرب على يد والده في العمليات التجارية، وشاركه في أغلبها، حيث بدأ نشاطه في سن مبكرة خلال فترة الحظر التجاري في الثمانينيات، كما استغل هذه الفترة لتهريب المواد الغذائية والكهربائية من لبنان وتركيا، مستفيدا من حصانة عائلته، كما تزوج من ابنة محافظ درعا وليد عثمان، مما عزز شبكة علاقاته الاجتماعية والسياسية.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز”، فقد امتدت مصالح مخلوف الاقتصادية إلى قطاعات إستراتيجية عدة، شملت الاتصالات والنفط والغاز، والإنشاءات، والمصارف، والطيران، وتجارة التجزئة، كما رأى محللون سوريون أن مخلوف مارس هيمنة شبه مطلقة على الاقتصاد السوري، إلى درجة أن أي استثمار محلي أو أجنبي لم يكن ليتم دون موافقته أو مشاركته المباشرة.

وفي عام 2008، قُدِّرت ثروته الشخصية بنحو 6 مليارات دولار أميركي، وكان يمتلك شركة “سيريتل”، إحدى شركتَيْ الهاتف المحمول في البلاد. وامتلك استثمارات واسعة في قطاعات العقارات والمصارف والأسواق الحرة والمناطق التجارية على الحدود اللبنانية، فضلا عن المتاجر الراقية.

 

 

كما سعى رامي مخلوف إلى الحصول على الوكالة الحصرية لشركة “مرسيدس” في سوريا، ولتحقيق ذلك مارس ضغوطا تشريعية تمثلت في تمرير قانون يمنع الشركة الألمانية من تصدير قطع الغيار إلى السوق السورية، ما لم تمنحه حق الامتياز الحصري، وقد جاء هذا التحرك رغم محاولات “مرسيدس” الإبقاء على شراكتها الطويلة مع أسرة سنقر، التي كانت الوكيل التقليدي لها في سوريا منذ عقود، وقد تمكّن مخلوف في نهاية المطاف من فرض سيطرته على هذا القطاع عبر استغلال النفوذ السياسي والاقتصادي المتنامي لديه.

إضافة لما سبق، امتلك رامي مخلوف كذلك الحصة الأكبر في “شام القابضة”، التي تُعد من أكبر التكتلات الاستثمارية في قطاع السياحة والعقارات الفاخرة في سوريا، حيث شملت استثماراته مشاريع كبرى في الفنادق والمطاعم الراقية، من خلال شركات تابعة مثل “المدائن”، إلى جانب مساهمته في شركة “خصائص بينا”، التي تنشط في تطوير مشاريع عقارية متعددة، وفي قطاع الطيران فقد فرض حضوره عبر شركة “لؤلؤة الشام”، أول شركة طيران خاصة تحصل على ترخيص للعمل في البلاد.

 

وقد امتد نشاط مخلوف الاقتصادي إلى القطاع المصرفي، حيث شارك في ملكية عدد من البنوك الخاصة التي أُسست في سوريا في مطلع الألفية، منها البنك الإسلامي الدولي، وبنك بيبلوس، وبنك البركة، وبنك الشام، وبنك الأردن، إلى جانب استثمارات في شركات التأمين والخدمات المالية. أما في مجال الطاقة، فكانت لدى مخلوف مصالح مباشرة من خلال شراكته مع “جلف ساندز بتريليوم” البريطانية العاملة في قطاع النفط والغاز.

كما تنوع نشاطه العقاري من خلال شركات مثل “الفجر”، و”باترا القاعدة”، و”الحدائق”، التي تنفذ مشاريع عمرانية وتجارية واسعة، وفي قطاع الإعلام، امتلك مخلوف صحيفة “الوطن” اليومية، وقناة “الدنيا”، وتلفزيون “نينار”، إضافة إلى استثمارات في مجال الإعلانات عبر شركة “بروميديا”، كما امتلك مدرسة “الشويفات الدولية”، وهي من أبرز المؤسسات التعليمية الخاصة في البلاد.

ا
وفي المجال الصناعي سيطر مخلوف على شركة “إيلتيل ميدل إيست” إلى جانب شركات مثل “تي بي راماك”، كما عُد المستورد الحصري للتبغ في سوريا، سائرا على درب والده من قبل، وقد أشارت تقارير قانونية إلى أنه نقل ملكية أصول كبيرة في جزر فيرجن الأميركية إلى شقيقه إيهاب، بعد رفع دعاوى قضائية ضده بسبب تلك الحيازات الخارجية.

وبحسب بيار صادق في سلسلة مقالات كتبها بعنوان “صعاليك سوريا الجدد” كانت قد صدرت قبل الثورة السورية بسنوات، فإن نشاط رامي مخلوف الخارجي بدأ بعد مقتل الحريري، إذ إنه حوّل أموالا إلى بعض البلدان ليستثمرها.

حرص رامي مخلوف على السير على درب والده محمد مخلوف بالابتعاد شبه الكلي عن الإعلام لإدارة الإمبراطورية الاقتصادية لآل مخلوف والأسد بهدوء، ولهذا السبب اعتبر الكثير من المحللين أن هذه الإمبراطورية الاقتصادية والصناعية والإعلامية الكبيرة كانت تعمل ليل نهار على غسل أموال العديد من الأمور غير المشروعة، وصفقات فساد بالمليارات.

كما حافظَ مخلوف على علاقات وثيقة مع بشرى الأسد، الشقيقة الكبرى للرئيس المخلوع بشار الأسد، لنفوذها الكبير، كما ربطته صلات متينة بزوجها آصف شوكت، أحد أبرز المسؤولين الأمنيين السابقين في البلاد، إضافة إلى ذلك فقد جمعته شراكات اقتصادية متعددة مع ماهر الأسد الشقيق الأصغر لبشار، وإمبراطور الكبتاغون في البلاد، ولكن أفادت تقارير بوقوع توتر بين الرجلين، الأمر الذي يُعتقد أنه دفع مخلوف في عام 2005 إلى تحويل جزء من أنشطته التجارية إلى بعض الدول، وسط تحليلات تُشير إلى أنه كان على وشك أن يُستخدم “كبش فداء” في حملة دعائية ضد الفساد داخل النظام.

 

مخلوف والهاوية

وفي مايو/أيار 2011، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات مباشرة على رامي مخلوف بتهمة تمويل النظام السوري وتقديم الدعم اللوجستي له في قمع الاحتجاجات الشعبية خلال الثورة السورية، ورأى الاتحاد الأوروبي أن أدوار مخلوف المالية والاقتصادية ساعدت السلطة في مواصلة العنف ضد المتظاهرين، ما وضعه في صدارة قائمة الشخصيات المستهدفة بالعقوبات الغربية خلال تلك المرحلة.

وقد اعتبر الثوار السوريون رامي مخلوف أحد أبرز رموز الفساد في البلاد، ووُجِّهت له اتهامات مباشرة خلال انتفاضة عام 2011، حيث رُدد اسمه في المظاهرات بوصفه “لصًّا”، ويرى معظم المحللين السياسيين أن ثروته الهائلة جاءت نتيجة علاقاته الوثيقة بالنظام السوري، مستفيدا من الامتيازات التي وفّرتها له صِلاته العائلية.

 

وقد ارتبط اعتقال المعارض السوري رياض سيف بشكل مباشر بانتقاداته الحادة لرامي مخلوف، وكان سيف، عضو مجلس الشعب السوري سابقا، من الأصوات البارزة التي انتقدت الحكومة خلال فترة ما عُرف بـ”ربيع دمشق” عام 2001، رغم تلقيه عدة تحذيرات من السلطات، حيث أطلق في سبتمبر/أيلول من العام ذاته حملة لمكافحة الفساد، ركّز فيها على الطريقة التي مُنحت بها رخص الهاتف المحمول، بما فيها الترخيص الذي حصلت عليه “سيريتل”، ولكن سرعان ما فقد سيف حصانته البرلمانية واعتُقل، ليقضي خمس سنوات في السجن.

وخلال الثورة السورية عام 2011، وجّه نشطاء المعارضة اتهامات لمخلوف بتمويل مظاهرات مؤيدة للنظام داخل سوريا وخارجها من خلال تقديم الأعلام واللافتات الداعمة، بالإضافة إلى وجبات الطعام ومبالغ مالية للمشاركين، واتُّهم باستخدام أدوات اقتصادية لتصنيع مشهد من الدعم الشعبي للنظام في وجه الاحتجاجات الواسعة، ما أسهم في تأجيج غضب المحتجين ورفع وتيرة الانتقادات ضده.

 

وفي خطوة غير متوقعة، وفي 16 يونيو/حزيران 2011، أعلن رامي مخلوف قراره بالخروج من عالم الأعمال في سوريا، في خطوة اعتُبرت محاولة لامتصاص غضب الشارع السوري، ولكن رغم هذا الإعلان، استمرت الانتقادات الموجهة له، واعتبره المتظاهرون أحد أبرز أوجه الفساد والاستغلال الاقتصادي المرتبطين بشكل مباشر برئاسة بشار الأسد، وهو ما جعله من أكثر الشخصيات المكروهة في صفوف الحراك الشعبي.

ويبدو أن هذا الحراك وخطورته جعل مخلوف يتجه لتأمين أمواله واستثمارها في الخارج، فقد أوردت منظمة “غلوبال ويتنس” الدولية المعنية بمكافحة الفساد أن أفرادا من عائلة مخلوف يمتلكون عقارات تُقدَّر قيمتها بنحو 40 مليون دولار داخل اثنتين من أبرز ناطحات السحاب في العاصمة الروسية موسكو، وبحسب تقرير المنظمة، فإن هذه الممتلكات، التي جرى الاستحواذ عليها بين عامَيْ 2013-2019، تقع في مواقع إستراتيجية داخل الحي التجاري الراقي، وتحديدا ضمن مُجمّعَيْ “مدينة العواصم” و”برج الاتحاد الفيدرالي”.

زر الذهاب إلى الأعلى