برّاك يرسم خارطة طريق جديدة للبنان..

تشير التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي الخاص توم برّاك، إلى ما يشبه خارطة طريق جديدة ترسمها واشنطن للشرق الأوسط، وليحىذر من تحول البلاد إلى ساحة صىراع إقليمي جديدة، إذا لم تحل معضلة سىلاح حزب. هذا التصعيد الكلامي ليس معزولاً عن التغيرات البنيوية التي تشهدها المنطقة، ولا عن التحولات الكبرى التي تطرأ على طبيعة العىلاقة بين اللاعبين التقليديين مثل ، إيرا، وسىوريا، وأيضاً الولايات المتحدة.
يطرح برّاك سؤالاً مركزياً: هل يمكن لحىزب الله أن يتحول إلى كيان سياسي بالكامل؟ هنا تبرز المعضلة اللبىنانية القديمة-الجديدة، حيث إن “الحزب”، وبحسب مصادر مطلعة، وإن كان جزءاً من النظام البرلماني ويتمتع بشرعية شعبية ضمن الطائفة الشيعية، إلا أن جناحه المسلح يبقي الدولة رهينة لتوازنات إقليمية غير مستقرة.
ويشدد المبعوث الأميركي، رغم اعترافه بتعقيد هذا الواقع، على أن الحل يجب أن يبدأ من داخل مؤسسات الدولة، لا عبر إملاءات خارجية. لكنه في الوقت ذاته يضع شرطاً ضمنياً: أي تقارب إقليمي أو إعادة إعمار لا يمكن أن يمر دون حسم ملف السلاح الثقيل الذي يشكّل تهديداً مباشراً ، بحسب تعبيره.
اللافت أن برّاك لا يدعو إلى تفكيك “الحزب” أو حله، بل إلى دمجه الكامل في العملية السياسية. هذا الطرح يُعيد إلى الأذهان نماذج تاريخية كتحوّل “الجيش الجمهوري الإيرلندي” إلى جناح سياسي في إيرلندا، أو حتى حالة فتح في بدايات التسعينيات، ما يعكس تحولا ّفي التفكير الأميركي تجاه الحلول الواقعية بدل الطروحات التصادمية.
وفي السياق الإقليمي، يرى برّاك أن الوحدة السىورية باتت أولوية استراتيجية لدى واشنطن، ويؤكد رفض بلاده للفيدرالية أو تقسيم سىوريا، حتى مع استمرار دعمها لقوات “قسد”. هذا يتقاطع مع موقف روىسيا وإيرا أيضاً، ما يخلق تقاطع مصالح نادر بين الخصوم الإقليميين.
لكن ما هو لافت في موقف برّاك أن الولايات المتحدة ترى في استقرار سىوريا بوابة لاستقرار لبنىان، فتحىذيره من أن لبىنان قد يعود إلى بلاد الشام إذا لم يتحرك، لا يعكس، بحسب مصادر دبلوماسية، فقط قلقاً من تمدد النفوذ السىوري، بل ينذر بتغيّر في وظيفة لبىنان السياسية، التي بقيت لعقود خارج الاصطفاف السىوري المباشر منذ 2005. وبمعنى آخر، فإن تخلي لبنان عن دوره كمساحة سياسية مستقلة في النظام الإقليمي، سيجعله ملعباً لصىراعات تتجىاوز حجمه.
في المقابل، ثمة تحىذير لبىناني من تولي سىوريا مجدداً إدارة الملف اللبىناني، فهناك رفض واسع لأي عودة محتملة للوصاية السىورية، التي لا تزال ذكرى مؤىلمة لدى جزء كبير من اللبنانيين. فالساحة اللبىنانية لم تعد تحتمل سيناريوهات الفىتنة، خصوصاً في ظل انتشار السىلاح خارج الشىرعية، وغياب الدولة الفاعلة. والسبيل الوحيد لتفادي هذا الانحدار، بحسب مصادر سياسية، يكمن في توحيد الموقف اللبىناني الداخلي، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية على أسس وطنية سيادية، بعيداً عن الاصطفافات الإقليمية التي أدت إلى ما وصل إليه لبىنان اليوم.
ويرى برّاك أن الجيش اللبىناني هو المؤسسة الوحيدة القادرة على تنفيذ نىزع سىلاح حىزب الله من دون التسبب في أهلية، وفي ذلك إشارة مباشرة إلى ضرورة إعادة تفعيل دور الدولة عبر مؤسسة لا تزال تحظى بثقة داخلية وخارجية، على عكس معظم المؤسسات اللبنىانية الأخرى المشلولة.وهنا يظهر رهان أميركي واضح ، بحسب مصادر دبلوماسية، على تمكين الجيش مقابل تحجيم دور الحىزب المسىلح، مع دعم مالي ولوجستي يُفترض أن يُقدَّم في حال بدأ مسار التفاوض الداخلي على نىزع السىلاح فعلياً.
رغم لهجته الدبلوماسية، لا يخفي برّاك أن واشنطن باتت تنظر إلى لبىنان بوصفه دولة على وشك الانهيار الكامل، وفي هذا السياق، يشكّل نىزع السىلاح، بحسب مصادر دبلوماسية، أكثر من مجرّد مطلب أمني أو سياسي، بل هو أحد مفاتيح إعادة بناء الثقة بين اللبنانيين، واستعادة العىلاقات الطبيعية مع المحيط العربي والدولي.
المصدر: خاص “لبنان 24”




