ما الذي ينتظر سوريا ولبنان؟

الإدارة الأميركية تصب اهتمامها على ما يبدو في تحقيق أولويات تىركيا وسىوريا على حساب مصالح الولايات المتحدة. ولا بد للحكومة السىورية الجديدة أن تفتح ملفات نظام الأسىد بالكامل فيما يخص الرهائن الأجانب وبرامج أسىلحة الذمار الشامل، ولا شك في أن الكشف عن جميع الصفقات التي أبرمها الأسىد مع “الحىزب سيشكل مادة دسمة للقراءة.

 

يوم الخميس الماضي، تحدث سفير الولايات المتحدة لدى تركيا عن مساع “إلى خفض التصعيد وإطلاق الحوار” حول الصىراع المتواصل في سىوريا. ومع ذلك، فقد شنت القوات الأميركية الخاصة يوم الجمعة ضىىربات في أعماق سىوريا، على مقربة من حلب، أسفرت عن مفتل أحد كبار قياديي “11”. وهذا التناقض الصىارخ هو خير تجسيد لحجم تعقيدات مستقبل سىوريا، ولحجم الرهانات الإقليمية والدولية المرتبطة به. وبما أن الازرق ئيل تنظر إلى حدودها الشمالية مع سىوريا ولبىنان على أنها امتداد حدودي واحد يقتضي آلية دفاعية متكاملة، فإن تهديدات الداخل اللبناني مرتبطة بصورة وثيقة بالتهديدات في سىوريا، أو على نطاق أوسع، بالدور الإيرا في تقويض الاستقرار في أرجاء منطقة الشرق الأوسط.

سىقوط نظام الأسد الديكتاتوري في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلى جانب الخسائر الفادحة التي تكبدها كل من الحىزب وحا…س ناهيك بالضىرباتوالأميركية على برنامجي الأسىلحة والصىىواريخ البالستية في إيرا، كلها مستجدات أحدثت تحولاً جذرياً في ما سماه السوفيات يوماً “توازن القوى” في المنطقة. وبالفعل، يشير الانقلاب الجذري في حظوظ إيرا وحلفائها، في أعقاب الفشل المدوي لاستراتيجية “طوق النىار” الموجهة ضد ، إلى أن طهران ما عادت تمثل المصدر الأكبر والوحيد للخىطر.

ومشكلات اليوم تتجذر من “معاهدة فرساي” المبرمة في عام 1919، وما تلاها من ترتيبات هدفت إلى إعادة رسم معالم الإمبراطورية العثمانية. ولا شك في أن تركيبات الحكم العثمانية كانت بعيدة كل البعد من المثالية، لكن فرنسا والمملكة المتحدة كانتا ترعيان فعلياً مصالحهما الخاصة، عبر تحويل الأراضي العربية الواقعة جنوب ما بات يعرف اليوم بالدولة التركية إلى دول منتدبة في “عصبة الأمم”. وفي هذا السياق، قررت فرنسا مواصلة تقسيم سىوريا، وهي الدولة التي انتدبتها، فاستحدثت لبىنان الكبير، وجبل الدروز، وحلب، ودمشق، والدولة العلوية. وصحيح أنه بعد سىقوط الأسىد، ما عاد أحد يتوقع من سىوريا أن تضم لبىنان إليها. لكن السؤال الأصعب يبقى عن الطريقة التي ستدار فيها العىلاقات بين العلويين، والدروز، ومختلف الشرائح المسيحية في ظل حكومة “هيئة تحرير الشام” الجديدة. وفي لبىنان، لا يزال الغموض يلف دور الحىزب الاصفر، وهو الذراع الإيرا، من وجهة نظر طهران طبعاً.

مع تراجع الدور الإيرا الذي لم يعد ذا أهمية كبرى يعتد بها في سىوريا، فرضت تىركيا نفسها بحزم، برئاسة رجب طيب أردوغان، منذ انطلاق الربيع العربي، وهو ما شكل تهديداً خىطراً لنظام الأسىد. وعلى امتداد الأهلية السىورية التي أعقبت الربيع العربي، قدم أردوغان دعمه لعدد من المجموعات المتمردة، آملاً بذلك إرساء حكم “الإخىىوان المسلمين” في دمشق. وكان يسعى فعلياً إلى قدوم قائد سىىوري يمكن أن تتحكم به أنقرة، من دون أن يتلقى أي توجيهات من طهران.

ومع أن “هيئة تحرير الشام”، المعروفة سابقاً باسم “جبهة النصرة” المتحدرة من تنظيم “القاعدة”، لم تكن الخيار الأفضل بنظر أردوغان، لكنه اعتبرها أفضل من لا شيء. وبالتالي، قرر مع أبو محمد الجىولاني استغىلال الفرصة السانحة أواخر عام 2024 لإطاحة نظام الأسىد بسرعة. وكانت اللحظة مواتية بسبب انهماك روىسيا وإيرا الخاصة، الأولى في أوكرانيا، والثانية في الشرق الأوسط، بعد أن اعتادتا حماية الأسىد من الربيع العربي. ومن ثم، ما كانت مساعي “هيئة تحرير الشام” إلى إطاحة الأسىد لتنجح يوماً بغياب الدعم التركي. ومع ذلك، وعلى رغم الدور الإيجابي لتراجع النفوذ الروسي والتخلص النهائي من دور إيرا في سىوريا، ما من توافق على الدور المرتقب لنظام “هيئة تحرير الشام”، فهل يكسب أردوغان رهانه؟ أم يعود ذلك النظام كلياً لجذوره ا بكل بساطة، لا نعرف. بيد أن مشاهدة المقىاتلين الأجانب، الذين كانوا التحقوا سابقاً بالجىماعات ، وهم ينضمون اليوم إلى الجيش السىوري الجديد، لا تبعث أبداً على الاطمئنان. والمؤكد، في هذا السياق، أن أحداً لا يريد نسخة ثانية من الإمبراطورية العثمانية، أو أسوأ حتى، تحويل سىوريا إلى “أفغانستان على ضفاف البحر المتوسط”.
اندبندت عربية

زر الذهاب إلى الأعلى