تحالف الضرورة في لحظة مفصلية

مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية وتقييم المخىاطر يبدو أن العىلاقات السىورية ـ الروىسية تأخذ منحى جديد في ظل الإدارة السىورية الحالية، وعلى إعتبار أن العىلاقات الدولية تنشأ بين الدول وما تنطوي عليه تلك العىلاقات من اتفاقيات دبلوماسية واقتصادية وتجارية وعسكرية وحتى استراتيجية.

وعليه تبقى هذه العىلاقات قائمة بغض النظر عن تغيير الحكومة في الدولة على اعتبار أن الاعتراف بالدول والعىلاقات القائمة معها تبقى وفق القانون الدولي فيما يأخذ الاعتراف بالحكومات طابعاً ضمنياً أو قانونياً أي علني ووفق القانون الدولي عينه فإن الاتفاقيات الدولية والدبلوماسية تبقى ما لم يكن هناك استفتاء شعبي يغير من المعادلة ومن المتعارف عليه أن سقوط نظام ما في دولة ما لا يعني سىقوط التحالفات السياسية للدولة بحكم أن العىلاقات الدولية تحكمها المصالح وبطبيعة الحال المصلحة الدولية تقتضي تعزيز التعاون بين الدول وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للدولة .

من هنا يمكن القول بأن التعاون السىوري – الروىسي في عهد أحمد الشىرع رئيس السلطة الانتقالية في البلاد يشكل تحولاً استراتيجياً جديداً في مسار العىلاقات الثنائية بين البلدين، وامتداداً لتحالف طويل يعود إلى أكثر من سبعة عقود.
ففي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، تبرز موسكو كقوة دولية قادرة على تأمين التوازن الذي تحتاجه سىورية في مواجهة الضغوط الغربية المتزايدة وبالتالي الحفاظ عليها كحليف رئيسي لدمشق، إضافة إلى كونها ضامن عسكري وسياسي موثوق يمكن الاعتماد عليه لإيجاد حالة من التوازن الدولي.

في هذا الصدد يبدو بأن إعلان نائب وزير الخارجية الروىسي، ميخائيل بوغدانوف، عن استمرار المحادثات مع الحكومة السىورية الجديدة حول مستقبل القواعد الروىسية، يعكس نية الطرفين في الانتقال من مرحلة الدعم العسكري التقليدي إلى شراكة استراتيجية دائمة. ولا شك بأن هذه الخطوة تأتي في وقت بالغ الحساسية، حيث تسعى القيادة السىورية الجديدة إلى بناء تحالفات متوازنة تضمن لها الاستقرار، وتمنحها هامش حركة أوسع على الساحة الدولية.

كما أن الموقف الروىسي بدا واضحًا في تصريحات المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، الذي شدد على ضرورة التواصل مع من يمتلكون السلطة الفعلية في دمشق، مؤكدًا أن لموسكو مصالح حيوية في سىوريا يجب حمايتها عبر الحوار والتفاهم. الأمر الذي يعكس إدراكًا روىسيًا لحساسية التحولات الداخلية في سىوريا بعد انهبار النظام السابق، وسعيًا لضمان استمرارية النفوذ الروسي في شرق المتوسط.

وهذه المرحلة من التعاون هي استكمال لمراحل سابقة وليست منفصلة عن مسار طويل من التنسيق والتعاون فقد أثبت التاريخ أن العىلاقات بين دمشق وموسكو لم تكن ظرفية، بل هي عىلاقة متجذرة بين البلدين، فمنذ إقامة العىلاقات الدبلوماسية عام 1944، وحتى افتتاح القاعدة البحرية في طرطوس عام 1971، مرورًا بمعاهدة الصداقة والتعاون الموقعة عام 1980، كانت موسكو – أو الاتحاد السوفييتي سابقًا – داعمًا ثابتًا لسىوريا في مختلف المنعطفات. وتكفي الإشارة هنا إلى الدعم العسكري الواسع خلال أكتوبر 1973، والدعم السياسي اللاحق في مجلس الأمن كدليل على مركزية هذا التحالف.

في المقابل، ترى القيادة السىورية الحالية أن التحالف مع موسكو لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية. على اعتبار أن الدعم الروىسي في مجالات الأمن، والطاقة، والبنية التحتية، وإعادة الإعمار، يمثل فرصة حقيقية لبدء مرحلة الاستقرار الداخلي، بعيدًا عن الارتهان الكامل للمؤسسات الغربية التي غالبًا ما تربط مساعداتها بشروط سياسية يمكن وضعها تحت عنوان “التبعية” وهو ما لا يتناسب مع أولويات الدولة السىورية.. في حين أن العىلاقات مع روىسيا قائمة على الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

بالتالي فإن تعزيز العىلاقة بين سىوريا وروىسيا في هذه المرحلة، لا يعني الانغلاق على محور واحد، بل الانطلاق من فهم واقعي لموازين القوى. فالعالم يتجه نحو تعددية قطبية واضحة، ولم تعد واشنطن اللاعب الأوحد في رسم الخرائط السياسية. من هنا، فإن التقارب مع موسكو يمثل خطوة ذكية، تحفظ لدمشق مصالحها، وتمنحها هامشًا أكبر من المناورة الإقليمية والدولية.

في المحصلة، قد يكون الرهان على موسكو هو الرهان الأنجح في هذه اللحظة المفصلية من التعقيد في المشهد الجيوسياسي، فروسيا لا تنظر إلى سىوريا كملف مؤقت، بل كحليف استراتيجي في معادلة صىراع النفوذ، وفي صلب توازنات ما بعد أوكرانيا والشرق الأوسط الجديد.

زر الذهاب إلى الأعلى